البحث العلمي يقود معركة الصمود والسيادة الغذائية في المغرب

البحث العلمي يقود معركة الصمود والسيادة الغذائية في المغرب

في سياق يتسم بتحديات مناخية متزايدة وضغوط متصاعدة على الموارد الطبيعية، يبرز البحث العلمي كرافعة أساسية لتعزيز صمود القطاع الفلاحي بالمغرب، هذا ما أكدته مديرة المعهد الوطني للبحث الزراعي، لمياء الغوتي، في حوارها بمناسبة الدورة الثامنة عشرة من الملتقى الدولي للفلاحة بالمغرب، حيث استعرضت أبرز جهود المعهد في دعم استدامة الإنتاج الحيواني وتعزيز السيادة الغذائية.

وأوضحت الغوتي أن المعهد يركز بشكل كبير على تطوير منظومات إنتاج قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، خاصة من خلال تثمين الموارد العلفية المحلية. ويشمل ذلك تطوير أصناف نباتية مقاومة للجفاف مثل الشعير، والتريتيكال، والشوفان، والبازلاء، بما يضمن تقليص الاعتماد على الواردات، خصوصا الذرة والصويا، كما يعمل المعهد على تحسين القيمة الغذائية للأعلاف عبر تقنيات التخمير وإضافة المكملات، إلى جانب تثمين المخلفات الزراعية في تغذية الماشية، مما يعزز النجاعة ويقلل التكاليف. وفي سياق مواجهة التغير المناخي، يتم تطوير نظم تغذية تقلل من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بتربية الماشية.

وفي مجال الوراثة، حقق المعهد تقدما ملحوظا من خلال توصيف مئات السلالات الحيوانية، واكتشاف مئات الجينات المرتبطة بالتكيف المناخي ضمن مشروع “NextGen”. وقد مكّن هذا التقدم من اعتماد تقنيات الانتقاء الجينومي، التي تتيح اختيار أفضل الحيوانات في وقت قياسي، دون الحاجة إلى انتظار طويل.

ومن أبرز الابتكارات، تطوير سلالات جديدة مثل “INRA 180”، التي تجمع بين خصائص سلالتي “الدمان” و”تمحضيت”، وتتميز بخصوبة عالية وقدرة كبيرة على التكيف، إلى جانب سلالة “دروة” التي لا تزال في طور التثبيت. كما يشمل العمل توصيف “الدجاج البلدي” لأول مرة جينيا، وإنقاذ سلالة الأبقار “والماس- زعير” المهددة بالانقراض.

وحسب ذات المتحدثة، يشدد المعهد على أن تحقيق السيادة الغذائية يمر عبر تقوية الإنتاج المحلي، خاصة في مجال الأعلاف، من خلال تطوير أصناف مغربية ملائمة، واعتماد نظم رعي مستدامة تحد من الرعي الجائر. كما يتم توظيف التكنولوجيا الرقمية، مثل أجهزة الاستشعار وأنظمة التتبع، لتحسين تدبير الموارد الطبيعية ورفع كفاءة الإنتاج.

وتندرج هذه الجهود ضمن مقاربة شمولية تُعرف بـ”الصحة الواحدة”، تربط بين صحة التربة والنبات والحيوان والإنسان، بهدف تحقيق منظومة إنتاج متكاملة ومستدامة.

ولا يقتصر دور المعهد على الإنتاج، بل يمتد إلى تثمين المنتجات وتحسين دخل الفلاحين، خاصة عبر دعم سلاسل التوزيع القصيرة وتشجيع المنتجات المحولة. كما يعمل على تطوير نحو ثلاثين صنفا من الأعلاف، وربط الفلاحة التقليدية بنماذج مبتكرة مثل الفلاحة الغابوية.

وفي هذا الإطار، يشكل تدبير المجالات الرعوية أولوية قصوى، حيث يقترح المعهد حلولا رقمية لتتبع المراعي ووضع قواعد بيانات وطنية لضمان استغلال مستدام لهذه الموارد. وأكدت الغوتي أن نجاح هذه الجهود يعتمد على شبكة واسعة من الشراكات، سواء على المستوى الوطني مع الفاعلين والمؤسسات، أو الدولي مع منظمات مثل “الفاو” والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي. كما يلعب المغرب دورا محوريا في التعاون جنوب-جنوب، خاصة مع الدول الإفريقية، عبر تبادل الخبرات وتطوير حلول مشتركة.

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *